الأعلانـــات
المشروع الوطني الديمقراطي وإشكالية أدارة التنوع المجتمعي
المشروع الوطني الديمقراطي وإشكالية أدارة التنوع المجتمعي

الاستاذ الدكتور
عمر جمعة عمران  
رئيس الجمعية العراقية للعلوم السياسية 
                                                                                   

    منذ رواج مفهوم التحول الديمقراطي في الأدبيات الأكاديمية والسياسية أصبح الفهم والإدراك التقليدي لمفهوم الديمقراطية يخرج عن مفهومه التقليدي الذي يتمحور حول مقولة حكم الشعب للشعب وبواسطة الشعب ، والذي يدرك من خلال أساسيات الحياة السياسية وإدارة شؤون الحكم، واخذ يتسع ليمثل مشروع يحمل قيمة إنسانية عليا تشمل في احد أبعاده التعايش السلمي ونبذ التطرف والعنف والقبول بالأخر والعيش بأمان ورفاهية اجتماعية واقتصادية  ضمن معايير ومؤشرات التوجه العولمي. أي بمعنى أصبح الاتجاه نحو تبني المشروع الديمقراطي يتمحور حول عملية يتم في إطارها صياغة أساليب وقواعد حل الصراعات بطرق سلمية وصولاً الى تحقيق الأهداف والمصالح المجتمعية السامية من خلال أساليب واليات دستورية وسياسية مثل انتخابات حرة وتوسيع المشاركة وتحقيق المساواة وغيرها من الآليات الاقتصادية والثقافية . 
   ان عملية بناء مشروع ديمقراطي رغم كونها غدت عملية ضرورية وحاسمة في حياة الشعوب ، إلا أنها تتسم بالتعقيد كونها تتطلب بنى ملائمة ومتنوعة لغرس هذه القيم وتغذيتها  وهو مايسمى بالمسار الذي يسعى لغرس هذه البنى وهو في حقيقته يرتكز على نواة مشروع بناء الدولة وفق آليات  تتوافق وحدود التدابير التي تمس ظروف البلد وطبيعته وتاريخه وتركيبته المجتمعية، وبالتالي يشكل هذا المسار او المشروع الديمقراطي بمثابة محصلة وتحدي لتطور المجتمع ، فهو محصلة مجموعة آليات وتحديد الأولويات الكفيلة لبناء نواة المشروع الديمقراطي، وهو من جهة ثانية تحدي لمصادر تهديد المشروع التحول الديمقراطي  ولاسيما المترافقة مع الظروف الانتقالية المعقدة والمعيقة للتحول الديمقراطي والمتمثلة بالتطرف والإرهاب والفوضى والقوى الرافضة وإشكاليات التغيير الاقتصادي ....الخ. 
    ان نواة المشروع الوطني الديمقراطي تشكل تجربة حية وليست نموذج نظري يقتدي يه فهو مسيرة خاضعة لتاريخ المجتمعات وتتكيف مع معطياتها وأوضاعها وقياداته ونخبها ودرجة وعي أفراد المجتمع ودرجة الاستجابة والإدراك لأهمية الانتماء الوطني الجامع. ولذلك فان متطلبات بناء المشروع الديمقراطي تتراوح بين جانبين مترابطين يكمل بعضهما البعض: 
   الأول: يتضمن الجوانب الإجرائية والمؤسسية الواجب توفرها لضمان نجاح التحول الديمقراطي والمتضمن بناء مؤسسات ومقومات الدولة الحديثة اللازمة لإدارة الاستقرار وإنجاح مهمة المشروع التنموي والمتمثلة بالأجهزة والمؤسسات والتنظيمات والهياكل الدستورية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
   الثاني: يتعلق بالمتطلبات العامة واللازمة لترسيخ التحول الديمقراطي في المجتمع ولاستبدال مخلفات الاستبداد والظلم بنظام ديمقراطي تسود فيه مبادئ حكم الأغلبية وحكم الفانون وارتكاز السلطة الى مبادئ حكم الشعب وضمان حقوق الأفراد وصيانة مطالبهم المشروعة.
    وتشكل الإلية الأساس لتحقيق تلك المتطلبات للمشروع الديمقراطي في توحيد أبناء المجتمع وتنوعاته وفئاته حول القيمة الأساسية التي يمثلها المشروع الديمقراطي ، أي تحقيق اندماج وتكامل مجتمعي يعي أهمية العملية الديمقراطية وممارستها في مواجهة حالة الصراعات والتنافرات العرقية واللغوية والاثنية والدينية التي تشكل تحدي لتطور المجتمع واستمرار تكريس للبنى التقليدية المعيقة للتطور والتنمية. واستناداً لأهمية الوحدة والاندماج المجتمعي نحو إعلاء قيم الديمقراطية سوف نتناول اثر سياسات ادارة التنوع المجتمعي على نجاح مشروع ديمقراطي يقود إلى استقرار تجربة تفضي إلى بناء دولة مدنية عصرية قادرة على تحقيق متطلبات ومصالح اغلب أفراد المجتمع في الرفاهية الاقتصادية وسيادة مبادئ العدل والمساواة والعيش المشترك.
ابتدءاً يقصد بالتنوع كل مايغطي مجموعة التنوعات المرتبطة بالعرق او الجنس والهوية الاثنية والدين والمستوى الاقتصادي والاجتماعي والطبقي والمعتقد السياسي...الخ، وغالبا ما يودي الإخفاق في كيفية التعامل وإدارة هذه التنوعات تجاه تحقيق مطالبها الى الإخفاق المشروع الديمقراطي اذ ان الاعتراف وتاطير تلك التنوعات وتقديرها ضمن قنوات النظام السياسي يعد من أساس التوازن الديمقراطي كونها تمثل  تجسيد للقيم الموضوعية التي يسعى اليه المشروع الديمقراطي في تماسك الكيان الوطني القادر على بناء روابطه مع التحديث والتقدم.
    ان وحدة الجماعة البشرية داخل أي كيان سياسي بغض النظر عن فلسفة وإيديولوجية النظام السياسي في الدولة ،تعد شرطاً أساسيا في استقرار المجتمع والدولة والبنية الأساسية القائمة عليها، ويتوقف هذا الاستقرار على مقدار إجماع الفئات المتنوعة على أهداف وطنية تتجاوز مصالحها الفرعية بما يجعل الأهداف الوطنية العليا قضية الوجود المشترك داخل الدولة وهذه المهمة الاولى للنظام السياسي، ولكن هذه الوحدة المجتمعية تفترض وجود مستلزمات وشروط عدة لعل في مقدمتها وجود المشروع الديمقراطي المتضمن اليات التضامن والشعور المشترك في إطار نظام سياسي معين ينظم ويحتوي التنوعات كافة في بناه السياسية والدستورية والتي تتحول بمقتضاها العناصر المتفرقة الى وحدة فعالة مشاركة ضمن الآليات والعمليات التي تنظمها الهياكل السياسية.
   ولذلك يوصف المشروع الوطني الديمقراطي بعملية توحيد شامل للمجتمع ويرمي الى تحقيق الانسجام والتلاحم على المستويات كافة وفق نسق شمولي يتم بناءه لتجاوز إشكاليات التنافر والصراع لتأسيس دولة مدنية قوية تضمن للجميع حقوقها، وبخلافه يحدث خلل في طبيعة المنظومة السياسية والاجتماعية وإشكال العلاقات القائمة بين عناصرها ويقود الى خضوع الدولة لضغط المطالب المتناقضة والضيقة ، أي ان المشروع الديمقراطي يمثل مصدر انفتاح وتكامل وضامن للروح الديمقراطية التي تحقق التلاحم الوجودي بين كافة تنوعات المجتمع في ظل البناء الوطني للأهداف والمصالح العليا للمجتمع.
ولكي يكون هذا المشروع سليما وضامنا لقيم التضامن الوطني لابد من ضمان شرعية السلطة وأجهزتها ، من خلال تبني حياديتها تجاه تلك التنوعات المجتمعية إذ إن كفالة جميع الفاعلين والمساهمين في المشروع الديمقراطي وتعبيرها عن أهداف ورغبات المجتمع ،كفيلة بتوفير الأساس للممارسة السياسية المستقرة وتحويل مضامينها الى ممارسة يتفق عليها جميع قوى المجتمع وتطويرها ، وفي حالة العجز سوف تنقلب تلك الجهود ويقود الى حصول تناقض ومن ثم يسحب بعض من تلك الفئات ولائهم ويندلع صراع خفي كان ام ظاهري وهو مايفضي الى تمزيق وتفتيت للأطر الحديثة للمشروع الديمقراطي وضياع للجهود والموارد.
وبذلك تشكل مستلزمات واليات نجاح المشروع الديمقراطي بناء مؤسسات ثقافية وطنية تعلي من الشعور بالوحدة والتغلب على تهديدات الهوية الجامعة ، وكذلك التطوير المستمر للبنية السياسية بما يلائم قواعد واليات الحكم والعمل السياسي المتوافقة مع القواعد الدستورية، الى جانب الاهتمام بمؤسسات الاقتصاد الوطني وتطويرها والتي تأخذ على عاتقها استثمار الناتج الوطني وتوزيع الثروة الوطنية بشكل يتلائم وشروط البنية المجتمعية ومتطلباتها.
    وترتيبا على ماسبق يمكن القول أن أولويات المشروع الوطني الديمقراطي وضرورات ترسيخه ونجاحه محكومة بفعل سياسات التوحيد والوحدة تجاه المشروع وخلق الرضا والقبول للمشاركة والمساهمة الفاعلة فيه، كما ان بناء شروط وقواعد استقراره الدستورية والمؤسسية تعد الضامن الحقيقي لنجاحه.إذ إن الإخفاق اليوم في تحقيق متطلبات المشروع الوطني الديمقراطي وإنضاج شروطه المجتمعية قد يقوي شروط الانقضاض عليه وقد يفضي إلى نتائج عكسية غاية في الخطورة قد تهدد الوحدة الجامعة وهي الدولة، فعلى سبيل المثال نجد في التجربة اللبنانية مثالاً حيث ان الممارسة الديمقراطية والاعتراف بالحريات فيها لم تبنى على أساس توحيدي شامل وبالتالي لم يتم القضاء على النزعات الفئوية والطائفية بل دعمتها وقننتها مما اضعف الدولة وجعلها تقف عاجزة في كل مرة تضطرب فيها الأجواء السياسية المعبئة بقوى تحركهم خلفياتهم العصبوية والفئوية والجهوية . فكيف اذ افضينا اليوم الى واقع نجد فيه قوى مجتمعية باتت لاتعترض على توجهات وخيارات سياسية واقتصادية واجتماعية فحسب ، بل تنشط وربما بمساعدة عوامل دولية في المطالبة والسعي لإعادة رسم حدود انتماءاتها ومكوناتها.  
2024-03-05 12:27 AM2218