الأعلانـــات
الحركات الإسلامية ومفهوم الدولة
 
الحركات الإسلامية ومفهوم الدولة

م.م .بهاء عبد الكريم طاهر
عضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية 
المقدمة:
  لقد اهتمت أغلب الكتابات الإسلامية المعاصرة، قبل سقوط الخلافة العثمانية، بالدفاع أساساً عن فكرة دولة الخلافة، أو الدولة الأمة والإمامة الإسلامية، وذلك رداَ على كتابات نهضوية رفضت فكرة الخليفة والخلافة ودعت إلى الاقتداء بالغرب في تأسيس دولة حديثة، ولا تزال قضية الدولة لغزاً بالنسبة لمجتمعات الشرق الأوسط، اذ مرت بتحولات عديدة في سعيها نحو الوصول إلى مرحلة إنشاء دولة تعبر عن مدى حاجة تلك المجتمعات إلى كيان سياسي يحمي وجودها، المشكلة تكمن في أن الدولة باتت فكرة شائعة ولكنها غامضة في نفس الوقت؛ وهذا يعود إلى غياب التأصيل لها اجتماعيا من خلال ترسيخ مطلبها في أذهان الناس، وتزداد الغرابة أن الكل يتحدث عنها ولكن لا يعمل عليها، ومنذ صعود القوى الإسلامية إلى سدة الحكم ولغاية اليوم بقيت الدولة مشروعا وفهماً رهين بخيال اجتماعي يصطدم دائما بتصورات القوى السياسية الإسلامية التي تحصر معنى الدولة بما تراه هي وليس بما يناسب المجتمع وحاجاته، فلقد كان الدين في العالم العربي والإسلامي إجمالاً وعلى خلاف الغرب، تتحكم به السياسة وتوجهه لصالحها، فكان بمثابة أيديولوجية حكم ومصدراً للشرعية السياسية للحاكم. وهذا ما جعل من الحركات والأحزاب الإسلامية تقع في الفشل في أدارة الدولة وهو فشل باعثه كونها تفتقر ألى الرؤيا لطبيعة الدولة التي تريدها وطبيعة شكلها وبنائها التنظيمي.           
المطلب الأول: مفهوم الدولة الإسلامية ومصدر شرعيتها
إن الوعي السياسي للإسلاميين يكشف بنية مشتركة خضعت لتحولات عديدة ومستمرة منذ اللحظة الأولى التي تلقّى فيه المسلمون (مفهوم الدولة) الحديثة إبّان الحقبة الاستعمارية الأوربية الأولى في العصر الحديث، ومن الصعب قبول تصنيفات قادرة على التمييز جوهرياً بين الإسلاميين على مستوى الفكر السياسي، ذلك أن المشكلة الجوهرية واحدة في هذا الفكر، أعني مفهوم (الدولة). 
لهذا السبب فإن القراءة التاريخية للفكر الإسلامي السياسي يجب أن تلحظ تحولات الوعي بمفهوم الدولة تحديداً وتأثيرات الميراث السياسي الفقهي والتاريخي عليه ([1])، وحتى الآن فإن الدراسات المقدمة حول مفهوم الدولة لدى الإسلاميين ـ على أهميتها ـ ما تزال مشدودةً إلى حركة النتائج المترتبة على مشكلة مفهوم الدولة أكثر منها بمشكلة المفهوم ذاته.
ومصدر الأشكال يكمن باستخدام المصطلح، فأغلب الذين يستعملون عبارة (الدولة الإسلامية) يربطونها بجعل الشريعة مصدر القوانين، ولذلك يحصل الإشكال في التصور وإصدار الحكم، إذ أن بناء الدولة هو بناء سياسي، وليس مرتبطا بالضرورة بطبيعة النظام القانوني أو مرجعيته التي ليست في الحقيقة قضايا سياسية، بل هي نتيجة لممارسة مقتضيات بناء الدولة ومؤسساتها في أمة من الأمم، وإذا انطلقنا من طبيعة الأنظمة السياسية الحديثة التي تضم مواطنين من ديانات مختلفة، فأن النظام القانوني قد يقترب أو يبتعد عن مقتضيات (الشريعة) في بعض أحكامها التفصيلية حسب ازدياد أو نقصان تمثيلية المسلمين في السلطة التشريعية ([2]).أضافة إلى أصل مصدرية الحاكم فهم يؤطرون الى فكرة أن شرعية الحاكم نابعة من الله أو مصدرية الحاكم هو خليفة الله في الأرض في فكر الأحزاب الإسلامية السنية([3])، وهو نائب الأمام المعصوم في فكر الاحزاب الشيعية([4]). أي أن مصدر سلطة الحاكم هو الله وليس المواطن كما اطرت له الافكار الغربية في بناء الدولة الحديثة. وادعائهم الحكم الرباني الإلهي لمن يزعمون لأنفسهم العصمة والقداسة فيحتكرون حق التشريع، ويصادرون حق غيرهم مهما كان شأنهم واختصاصهم، علما بأن الإسلام ينزع كل عصمة أو قداسة عن ممارسات الحكام وقراراتهم، كما ينزعها عن الوسائل التي تتوصل بها الدولة لإدارة شؤون الدولة.
إن الأساس الذي تنطلق منه الأحزاب الإسلامية في تأطيرها لمفهوم لدولة هو أساس ينطلق من منطلقات مذهبية ضيقة وليس من اطار إسلامي عام يعمل على احتواء التنوع لمكونات الشعب سواء كانت مذهبية أم دينية أو قومية ودون تمييز في صورة مقاربة لدولة المدينة التي اطلقها النبي محمد (ص)  في صدر الإسلام، لكن الواقع يشير عكس ذلك نرى أن نماذج الدول الإسلامية تنطلق وتعمل في اطارها المذهبي دون أن تراعي حقوق بقية أبناء الشعب فهي تعمل على تمييز أبناء مذهبها وأن كان ذلك في العلن. فهي لم تدرك أهمية التنوع المجتمعي ولم تنجح في إدارة هذا التنوع لذا نرى أنها تعمل على تذويب التنوعات وجعلها في مذهب السلطة الحاكمة. كونها لم تتخلى عن طائفيتها المجتمعية وتطرفها الفكري، فكيف يكون لها أن تبني مشروع دولة عادلة، وهذا ما نراه واضح في التجربة الإيرانية والتجربة السعودية.
المطلب الثاني: الأحزاب الإسلامية وبناء مفهوم الدولة
عُرفت  الدولة على أنها: جمع من الناس يقيمون على سبيل الاستقرار في إقليم معين، ويخضعون لسلطة عليا حاكمة ذات سيادة. أما عناصر الدولة حسب ما بينها دكتور عصام العطية في كتابه (مبادئ القانون  الدولي العام) فهي:
 أولا. الشعب وهو مجموعة من الأفراد يستقرون في إقليمها ويرتبطون بروابط قانونية وسياسية.
ثانيا .الإقليم وقد عرفه بأنه تلك الرقعة من الأرض والبحر وطبقات الجو التي تعلوها، وتباشر الدولة سلطاتها عليها.
 ثالثا. السلطة السياسية وهي السلطة الحاكمة التي تؤكد وحدة الشعب المعنوية والاقتصادية وتحقق مصالح الشعب وتتولى الدفاع عن كيان الإقليم.
       ومن خلال دراستنا لمبادئ وأسس الأحزاب الإسلامية يتضح لنا ما يشير إليه المنهاج الحزبي لكل الأحزاب الإسلامية التي تأسست في القرن العشرين فلا يلتزم بالعنصر الثاني، وتركز كل الأحزاب الإسلامية على أن الكرة الأرضيّة بمجملها يجب أن تخضع للدولة الإسلامية التي يجب أن تقوم من خلال التواجد في بقعة معينة للدولة ومن ثمة يتم التمدد إلى الأقاليم المجاورة، فهي تتبنى الأممية وتبتعد عن الحدود الجغرافية للدولة (للحزب)، وهذا ما نراه واضح في سياسات الأحزاب الإسلامية بعد وصولها إلى السلطة وحين سيطر تنظيم الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم في مصر في فلتة تاريخية تصرّف التنظيم في هيئة الرئاسة وفق رؤيته كتنظيم عالمي ولم يعتن بالصيغة المفاهيمية الأممية للدولة ومسماها، بل أن التنظيم غفل عن أن مصر بقيت كدولة منذ آلاف السنين، دولة لها شخصيتها الفرعونية المتلاحقة مع الفكر الإسلامي، دولة تتصرف كأمّة، وفي هذه التجربة ومن خلال أدبيات (الإخوان المسلمون) فأنها تهتم بالتوسع الفكري ولا تهتم بالتحديد الإقليمي لتأسيس الدولة، الأمر الذي جعل من الإخوان فكرا مشاعا للعالم الإسلامي بغض النظر عن وجوده وتمركزه في مكان معين.
     الأمر لم يقتصر على رؤية الدولة الإسلامية من المنظور السني فقط وإنما تجسد مع تأسيس أول دولة إسلامية في إيران حيث بشّر مؤسس الدولة (روح الله الخميني) بتصدير الثورة ولم يُسمّها في وقتها بمسمّى الدولة فقط، وإنما أضاف إليها قرينة ممهدة، حيث أن الولي الفقيه وفق نظرية ولاية الفقيه هو نائب الإمام المهدي . وتبنى الخميني بتصدير الثورة الأمر الذي أقلق العراق ودول الخليج.
كما أن الأحزاب لا يوجد لديها رؤية وفكرة متكاملة لمفهوم الدولة، فمن يطلع على المفكرين القدامى الذين كتبوا في مفهوم الدولة، نجد هناك انقسام واضح ولم يستطيعوا أن يقدموا لنا رؤية متكاملة ومشروع قابل للتطبيق للدولة الإسلامية في المنطقة، ولم يكن هناك فيها تجديد أو تكييف ممكن أن يكون قابل للتطبيق في العصر الراهن لذلك فشلت كل التجارب التي دعى لها الكتاب والمفكرون في اقامة دولة إسلامية، ومن جانب آخر أن الأحزاب الإسلامية التي استلمت السلطة في بعض الدول الإسلامية كان لديها انقطاع ما بين قيادة الأحزاب الإسلامية وما بين من نظّر للحزب الإسلامي، كذلك أن من استلم السلطة هم ليسوا بالمنظرين وهم لا يمتلكون رؤية واضحة ولا يمتلكون فكر في كيفية ادارة الدولة واعادة بنائها وفق منظور ما كتب مفكريهم امثال (حسن البنا، وسيد قطب ومحمد باقر الصدر) على سبيل المثال لا الحصر.
إن مشروع بناء الدولة لابد أن ينطلق من الواقعية، وأن يعتمد على الرؤية المستقبلية لرسم شكل تلك الدولة وكيف للمجتمع أن يتفاعل مع تلك المؤسسات، كما أن الأحزاب الإسلامية والتيارات أغلبها لا زالت تعتمد على أفكار الماضي، وهذا التراوح جعل اغلب الأحزاب والتيارات الإسلامية تعيش حالة أزمة حكم حقيقية، لأنها تريد أن تفرض نفسها على اتباعها إولاً وعلى الرأي العام ثانياً وأن لديها مشروع لبناء وطن وبناء مواطن، وهي بذلك تبتعد عن الواقعية وتعتمد على المثالية والتنظير. ومن أسباب الفشل تجربة الدولة الإسلامية هو كون العالم لم يعد كالسابق، الدول منعزلة عن بعضها بل اليوم المصالح ما بين الدول متشابكة ومتداخلة، ومن ثم تشكلت رؤية عالمية قائمة بأن الدولة الاسلامية لم تعد مقبولة. 
المطلب الثالث: أسباب فشل الأحزاب الإسلامية تطبيق مفهوم للدولة
إن مفهوم الدولة لم يقتصر على البناء النظري للأحزاب الإسلامية؛ وإنما كانت احداث الربيع العربي فرصة سانحة لوصل تلك الأحزاب إلى مقاليد السلطة أو الاشتراك فيها عبر آلية مخالفة لمبادئها (الانتخابات وفق أسس ديمقراطية) وهذا ما فرضته طبيعة الأنظمة السياسية في تلك البلدان لتشكل اغلبية مقاعد مجالسها النيابية والسيطرة على السلطة التشريعية الأمر الذي مكنها من السطلة التنفيذية وأستلام مقاليدها ومكنها من تطبيق المفاهيم والأسس الفكرية التي تنطلق منها أدارة الدلة، لكنها ارتطمت بعوامل عدة (داخلية وخارجية) أدت إلى فشل الأحزاب الإسلامية في تطبيق مفاهيمهم في أدارة الدولة. من أبرز  تلك الأسباب هي: 
اولاً. أسباب داخلية وتنقسم إلى :
1.الأسباب السياسية: وتنشفن الأسباب السياسية إلى نقاط عدة هي:
أ. غياب التجربة الإسلامية الصحيحة لمفهوم الدولة عبر التاريخ، كون الدول التي شهدتها التجارب الإسلامية لم تكن دول بالمعنى الإسلامي، حتى تلك التي رسم لها بأن تكون دولة إسلامية بوجود النبي أو الإمام لم تنجح. فلا توجد تجربة إسلامية ناجحة لمفهوم الدولة، أما ماليزيا وتركيا فهي لم تعد تجارب إسلامية بامتياز وإنما اعتمد على المزاوجة ما بين التجارب الأوربية في بناء الدولة الحديثة وما بين اعتماد المنهج الإسلامي في أدارة الدولة.     
ب. مقومات الدولة وملامحها وشكلها السيادي لم تكن واضحة على غرار الدولة في الفكر الغربي. لم يتفق المفكرين على شكل محدد للدولة المراد بنائها وفق نهج الإسلام السياسي وعلى ماذا تستند في شرعيتها والكيفية التي تبني وفقها المؤسسات وماهي منطلقات سياستها الخارجية في التعامل مع الدول، والكيفية التي يتم بها التعامل مع الأقليات من أبناء البلد، فشكل الدولة الإسلامية مبهم وغير واضح المعالم، وأن فكرة الدولة بالمعنى الحديث لم تكن موجودة في التاريخ الإسلامي ولم تكن هناك غير البيعة والحاكم([5]).
ج. عدم وضوح مفهوم الدولة في الإسلام، أي أن مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي مشوه وغير واضح المعالم. كون أن النصوص الإسلامية لم تدلل على مفهوم الدولة ولم تشير أليها. وذلك يرجع الى أن الإسلام سابق لمفهوم الدولة بمفهومها الحديث، إذ أن مفهوم الدولة ظهر ما بعد معاهد وستفاليا1648م.
د. التخبط في المفاهيم والخلط بين مفهومي الدولة والأمة، فاغلب كتابات المفكرين الإسلاميين تراها تتحدث عن مفهوم الدولة بسياقات متداخلة مع مفهوم الأمة. وهذه من الأخطاء التي وقع بها المفكرين الإسلاميين فهم لم يميزوا بين مفهومي الدولة كحدود جغرافية وبين الأمة كوحدة اجتماعية ذات خصائص مشتركة كـ لغة ودين وثقافة مشتركة، فالإسلام هو بحد ذاته عابر لهذه الخصائص الدالة على مفهوم الأمة كوحدة اجتماعية وعابر لحدود الدولة. وهذا ما جعل المفكرين الإسلاميين يتخبطون في بناء أفكارهم في بناء الدولة ما بين الدولة بحدودها السياسية وما بين الأمة([6]) .
ه. الاختلاف وعدم الاتفاق بين الكتاب والمفكرين والمنظرين الإسلاميين على مفهوم الدولة بشكل عام. وهذا واحد من الاختلافات التي تضاف إلى الاختلافات السابقة والتي وقع بها مفكري الإسلام السياسي هو عدم الاتفاق على صيغة واحدة أو صيغ متقاربة لمفهوم الدولة الإسلامية، أضافة إلى اختلافهم في آلية أدارة الدولة هل هو وفق مبادئ الشورى أم وفق المنهج الحديث الديمقراطي (الغربي)([7]) وهذا واحد من أسباب الفشل في بناء الدولة الإسلامية. فقد تخبطت الحركات الإسلامية في إيجاد مفهوم الإدارة الدولة من الناحية السياسية وكيفية تمثيل أبناء الشعب (على شتى اختلافاتهم الدينية والمذهبية) فمنهم من تمسك بالشورى كآلية ، ومنهم من ذهب باتجاه تطبيق مبادئ الولاية*، وثم ظهر الاختلاف في شكل الولاية هل هي ولاية عامة مثل إيران ،أم ولاية خاصة كما يدعو لها المرجع محمد اليعقوبي، ومنهم قبل بالديمقراطية لكن كما يقولون قبلنها على مضض كل هذا الأسباب جعلت من الحركات الإسلامية لم تقدم نموذج ناجح في إدارة الدولة وفق النهج الاسلامي.   
2. أسباب اجتماعية 
أ. الاختلاف المذهبي والطائفي كان من أبرز العوامل التي قوضت مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي. إذ يعتبر العامل المذهبي واحد من العوامل التي واجهت المفكرين الإسلاميين فبأي صيغة سيكون شكل الدولة ووفق أي مذهب من المذاهب الإسلامية وهل ستعتمد منهج الخلافة الإسلامية أم الإمامة، ومن ثم ظهر منهج ولاية الفقيه في بناء الدولة ما بعد الثورة في أيران1979([8]).  
ب. التشدد المذهبي والديني وظهور التطرف والإرهاب على الساحة الإسلامية كان له دور كبير في عدم نجاح مفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة. وهذا لم يراعي التنوع المجتمعي لأفراد الدولة (التنوع، العرقي ، المذهبي، القومي، الديني) وبالتالي الغاء الاخر وفرض القيم الدينية على المجتمع ، ومن ثم تطبيق احكام الدين الإسلامي على مجتمع الدولة بكافة أفراده ، وذلك لم يحدث فعلاً وإنما تمت الدعوة اليها، ففي مصر قوة المؤسسات حالات دون تطبيقه عندما اصدرت حكومة محمد مرسي عدة قرارات بالضد من الفن والمؤسسات الفنية. اما تنظيم داعش الأرهابي والذي يزعم لنفسه خلافة المسلمين فقد طبقها دون أي رادع والشواهد كثيرة على ذلك منها اجبار الكثير من الايزيدين الشبان على  تغيير دينهم والتعامل مع الفتيات على انهن اسرى وجواري .إضافة إلى تعامله مع أبناء الديانة المسيحية في محافظة نينوى . كذلك فأن مشروع الغنوشي لـ(أخونة) تونس، أصبح يواجه موجة كبيرة رافضة، فهذه رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى قالت: إن راشد الغنوشي حول البرلمان إلى وسيلة لتنفيذ أجندة إخوانية في المغرب العربي، مضيفة (أن مجلس النواب أصبح مزرعة خاصة لـشيخ الإخوان) .
3. الأسباب الثقافية 
أ. الروح العدائية اتجاه متبنيات الغرب أفشل مشروع الدولة الإسلامية. إذ أن المفكرين والأحزاب الإسلامية تنظر الى كل شيء من نتاج الغرب على انه غير مشروع ، وأنه يتعارض مع القيم الدينية ولم يستفيدوا من التجارب الغربية في بناء الدولة وتجاوز أخطاء الماضي والأخطاء التي مرت بها التجارب الغربية، ولم يقتصر الامر على الجانب السياسي فقط بل يشمل كافة الجوانب العلمية في الاجتماع والاقتصاد ال...اخ من العلوم الانسانية والتطبيقية([9]).
ب. النظرة الاستعلائية التي ينظر بها المسلمون تجاه الأخرين. إذ يتمتع مفكري الإسلام السياسي بضرة استعلائية تجاه الافكار النابعة من غير المسلمين وبالذات من الثقافة الغربية، وفي كثير من الاحيان يدعون إلى أن الإسلام سابق لتلك الافكار وأنها مستقات من الفكر الإسلامي وجاءت الثقافة الغربية لتبرزها لكن بشكل جديد وفق المقاسات الغربية.  
ج. غياب ثقافة المعارضة لدى الحركات الإسلامية، إذ لم يكتب ولم ينظروا لمفهوم المعارضة في الدولة على اعتبار أن السلطة دينية ونابعة من الدين الإسلامي، أضافة إلى إعطائها صفة التقديس وبالتالي فأن أي معارضة في دخل الدولة للسلطة الدينية هي معارضة للشرع الإسلامي، وهذا ما يمنع المعارضة من ظل الدولة ودخولها بمظلة المعارضة للدولة والدين([10]).
د. تبنيها سياسة ألغاء الأخر ممن يختلف معهم فكرياً او ثقافياً او دينياً(الفرقة الناجية) ([11]) وهذا ما جعلها تقع في نقمة البغض من قبل الشعوب، وهذا ما يؤشر إلى عدم إيجاد هوية جامعة لكل المكونات داخل جسد الدولة الواحدة([12])، والأمثلة كثيرة على هذا منها سياسة الإخوان تجاه قطاعي السياحة والثقافة (المسرح، الدراما) في مصر، هذا من جانب اخر أدت هذا السياسة إلى تنامي روح الفرقة بين اطياف المجتمع سواء  أكانت قومية أو طائفية.
4. الأسباب الاقتصادية:
أ. لم تمتلك الحركات الإسلامية رؤية واضحة في إدارة اقتصاد الدول التي حكموها بشكل عملي، بل أن  أفكار المفكرين الإسلاميين بل بقيت أسيرة الكتب ورفوف المكتبات ولم ترتقي لمستوى التطبيق، ولم تعمل تلك الحركات على تطبيق تلك الأفكار، وبقيت اقتصادية الدول تدور في فلك الاقتصاد الاشتراكي والرأسمالي.
ب. استشراء ظاهرة الفساد المالي والاقتصادي بشكل فاحش خلال الفترة التي حكمت بها الأحزاب والحركات الإسلامية، هذا ما جعل اقتصاديات الدول تنهار أو اوشكت على الانهيار وهذا يعود بشكل أساسي إلى عدم وجود رؤيا واضحة لإدارة الاقتصاد ترتقي إلى مستوى التحديات الراهنة إضافة إلى ضعف الخبرة المؤسسية في إدارة المؤسسات الاقتصادية و المالية .
ج. لم تتجاوز الأحزاب الإسلامية وهم الشعارات الفضفاضة التي ترفعها هذه الحركات. توظف حركات الإسلام السياسي، ومن ضمنها جماعة الإخوان المسلمين، شعار «الإسلام هو الحل» واتخذت من هذا الشعار بديلا عن تنمية روح الخلق والابتكار واقتراح السياسات العامة التي ترمي إلى معالجة المشاكل التي لم تفلح الأنظمة القائمة في تسويتها([13]).
     ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن الحركات الإسلامية فشلت في بناء الدولة وفق المفهوم الإسلامي، وأن ملامح الدولة في بعض الدول الإسلامية مثل ماليزيا وتركيا وغيرهما من الدول بنيت وفق المزاوجة بين العلمانية والإسلامية.
ثانيا. الأسباب الخارجية وتنقسم إلى:
1. الأسباب الإقليمية
       إن قيام دولة عربية ذات نهج ينبع من فكر ديني لم يروق إلى الأنظمة الإقليمية الفاعلة في الساحة السياسية على مستوى الإقليم ومنها تركيا وايران فعمدت كل منها إلى الدفع في عدم استقرار الدول خاصة ما بعد الربيع العربي والتغير الذي حدث بعده، وهذا يرجع إلى كونهما دولتان تتبنيان النهج الديني في سياساتهما؛ لكن المنطلق الحقيقي لهم في رسم سياتهم الخارجية هو منطلق قومي توسعي (عرق آري)، وهذا يرجع إلى أن الدولتين تعملان على اعادة بناء امجاد إمبراطوراتهم التي كانت تمتلك نفوذ كبير في المنطقة العربية وهذا ما يجعلهم يرون في المنطقة هي جزء من ذلك التاريخ. وهذا ما جعلهما تتبنيان الإطار المذهبي من اجل تحقيق الطموح فقد عمدا الى التدخل في شؤون الدول العربية .
         اما السبب الاخر او البعد الأخر للدول الإقليمي فيكمن في البحث عن الموارد الطبيعية (النفط - الغاز) والتي تعد الدول العربية غنية بها من أجل النهوض باقتصاديها وسد العجز المتولد لديها عن نقص تلك الموارد أضافة العقوبات الاقتصادية التي تعرضت لها كل من تركيا وإيران من قبل الولايات المتحدة . ومن الاسباب يدفع تركيا وإيران في اتباع هذه السياسة فيكمن في ابعاد انظار شعبها عن المشاكل والازمات الداخلية التي تعانيها كل الدولتين.
يضاف الى هذه الاسباب سبب أخر وهو هناك صراع شبه خفي ما بين السعودية وإيران وتركيا ودخلت عليه اندونيسيا في الآونة الاخيرة هو الرغبة بتزعم العالم الإسلامي، فالمملكة السعودية ترى أنها مهد الدين الإسلامي وهي احق في تزعم العالم الإسلامي، أما تركيا فترى أنها سليلة الامبراطورية العثمانية والتي حكمت العالم الإسلامي ما يقارب 400 سنة، أضافة إلى أنها تبحث عن الموارد الطبيعية في تلك الدول من أجل تعزيز اقتصادها وسد حاجتها من تلك الموارد (نفط -غاز) ([14]). ومن جانب أخر إيران ترى في نفسها وريثة الامبراطورية الفارسية والتي حكمت المنطقة لعدة قرون. أما اندونيسيا فترى أنها ذات الغالبية المسلمة (إي أن شعبها يمثل أكبر نسبة مسلمين في العالم) وهذا يكفل لها الحق أن تكون مركز للعالم الاسلامي .
أما الكيان الصهيوني فلم يروق له قيام دولة مستقرة تتبنى النهج الإسلامي في سياستها وبالتالي يكون له قوى رادعة تحول دون تحقيق طموحاته التوسعية([15]). وقد عمدت هذه الدول إلى تبني سياسة تدفع بتجاه عدم الاستقرار لهذه الدول وجعلها تعيش في حالة صراع دائم واضعافها، من خلال سياسة تعزيز الصراع الطائفي والمذهبي في الدول العربية عبر دعم جماعات دينية تدين بالولاء لها، ودفعها إلى تبني الصراع المسلح ضد شركائها. وبالتالي دفعت إلى تأسيس مليشيات وجماعات مسلحة خارج اطار الدولة لتأمين تحقيق طموحها التوسعي وتحقيق أهدفها.
2. البعد الدولي
          لعب العامل الخارجي دوراً كبيراً سواء كان ممثلا في المنظمات الدولية غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان، أو الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، التي أيدت في مرحلة ما إسقاط أنظمة كانت تدعم بعضها. لكن موقفها سرعان ما تغير بعد ما كانت النتائج في صعود الأحزاب الإسلامية و وصولها إلى السلطة في دول الربيع العربي، هذا ما جعلها تتبنى سياسات معادية لهذه الأحزاب. حيث أن الغرب عمومًا وأميركا على وجه الخصوص لا يريدان للحركات الإسلامية أن تستفيد من الديمقراطية، والديمقراطية تكون مقبولة ويجب الدفاع عنها في نظر الغرب إذا جاءت إلى سدة الحكم بمن يحمل الفكر المعادي للإسلام، وأما إذا كانت وسيلة لإيصال الإسلاميين إلى الحكم فعندئذ تحارب الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
 وهذا العداء ليس وليد اللحظة أو جديد وإنما جذوره تمتد إلى تسعينات القرن الماضي عندما تبنت الولايات المتحدة نظرية صدام الحضارات(صراع الحضارات) التي اطلقها صامؤيل هنتنكتون. متبنيه مبرر محاربة الإرهاب والحد من خطرهِ على حد زعمهم، أضافة إلى ذلك دخول المنافس الصيني للمنطقة وبقوة وتهديده المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة وتقربه من الحكومات الجديدة عزز من موقفها المعادي للأحزاب الإسلامية. وهذه الأسباب وغيرها دفعت بها إلى تبني سياسات من أجل افشال تجربة الإسلام السياسي والدفع بتجاه جعله نموذج فاشل في إدارة الدولة .  أما اساليبها لم تختلف كثيراً عن أساليب الدول  الإقليمية فقد عززت الصراع المذهبي والقومي، أضافة إلى فرض العقوبات الاقتصادية
الخاتمة   
    ترى الدراسة إن جميع الأحزاب والحركات الإسلامية ظهرت كرد فعل على الظروف التاريخية التي سبقت ظهورها، وكاستجابة للواقع السياسي(كرد لمناهضة الأفكار القومية والاشتراكية التي برزت في مراحلة سابقة على تأسيس الأحزاب الإسلامية) ، والمراحل السياسية التي مرت البلدان الإسلامية، وكان لرجال الدين والمراجع والمثقفين دور كبير في تأسيسها وكانت ملبية للتطلعات السياسية للإسلاميين، وهذا ما يفسر عدم امتلاكم رؤيا واضحة ومتكاملة لمفهوم الدولة وهذا من أهم أسباب فشل تجارب الأحزاب الإسلامية.
 المراجع
[1]للتفصيل ينظر : فهمي جدعان ,أسس التقدم عند مفكري الاسلام في العلم العربي الحديث ,المؤسسة العربية للدراسات والنشر ,1981, ص114-186, كذلك ينظر سعدي كريم سلمان ,الحزبية في الفكر الاسلامي السياسي العربي الحديث ,اطروحة دكتوراه (غير منشورة )جامعة بغداد ,كلية العلوم السياسية ,1989,ص184-360.
[2]للمزيد من التفاصيل انظر: محسن كديفر: نظريات الدولة في الفقه الشيعي، ترجمة: محمد شقيري، دار الهادي للطباعة والنشر، لبنان ، ط1، 2004، ص 46وما بعدها.
[3]للمزيد من التفاصيل انظر: محمد يوسف: البنا المؤسس:نحن دعوة سلفية من اتباع رشيد رضا والإسلام دين دولة ومصحف وسيف، مجلة معلومات، مجلة شهرية تصدر عن المركز العربي للمعلومات، العدد100، آذار 2012، بيروت ، ص 28.
[4]ابراهيم الحيدري تراجيديا كربلاء،سوسيولوجيا الخطاب الشيعي, دار الكتاب الاسلامي ,2004, ص44.
[5]للمزيد من التفاصيل انظر: محسن كديفر: نظريات الدولة في الفقه الشيعي (مع مقدمة نقدية)، ترجمة: محمد شقير، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت ، ط1، 2004.
[6]الحركات الاسلامية قائمة على مبدأ نشر الدعوة سواء داخل حدود الدولة او خارجها، خاصة وان افكار الحركات والاحزاب أن لم يكن كلها مبنية على النتاج الفكري لسيد قطب وحسن البنا، للمزيد انظر: انظر: خيرت الشاطر، نائب الرشد العام للإخوان في مصر، نص وثقية فتح مصر للإخوان المسلمين (فتح مصر ... برنامج عمل)، مجلة المصور المصرية ، العدد  4234، بتاريخ 2/12/2005. كذلك انظر: خطة الإخوان "لفتح مصر" (الجزء الأول)، العدد1998  بتاريخ 20 ابريل 2010. كذلك مبادئ تصدير الثورة الذي تبناه النظام الإيراني بعد عام 1979.
[7]بابكر فيصل: حركة النهضة اراء جريئة للنوشي، مقال منشور على موقع قناة الحرة، 22ابريل 2020، متاح على الرابط: https://www.alhurra.com/different-angle/2020/04/22/، في طرحاته الجديدة يختلف بشكل جذري مع مفكري حركة الاخوان المؤسسيين.
*الولاية العامة: أي أن تكون جميع السلطات العليا مجموعة يد الولي الفقيه الجامع للشرائط. 
[8]للمزيد من التفاصيل ينظر :روح الله الخميني ,الحكومة الاسلامية دار الطليعة ,بيروت ,1979.
 [9]للمزيد انظر:هشام جعيط : موقف الصحوة من العلم والفلسفة والثقافة الفنية، ، مجلة معلومات، مجلة شهرية تصدر عن المركز العربي للمعلومات، العدد100، آذار 2012، بيروت ، ص113-114.
[10] ينظر: خيرت الشاطرظن، نائب المرشد العام للإخوان في مصر، نص وثقية فتح مصر للإخوان المسلمين (فتح مصر ... برنامج عمل)، مجلة المصور المصرية ، العدد  4234، بتاريخ 2/12/2005. كذلك انظر: خطة الإخوان "لفتح مصر" (الجزء الأول)، العدد1998  بتاريخ 20 ابريل 2010. كذلك انظر: سهيل فرح مصدر سبق ذكره ص24، كذلك انظر: سهيل فرح : مصدر سبق ذكره، ص24.
[11]صادق جلال العظم : الاصولية الاسلامية أكثر من خمس اصوليات، مجلة معلومات، مجلة شهرية تصدر عن المركز العربي للمعلومات، العدد100، آذار 2012، بيروت ، ص 47.
[12]فرح سهيل ،منصدر سبق ذكره، ص24-25.
[13] ينظر نص وثقية فتح مصر للإخوان المسلمين (فتح مصر ... برنامج عمل)، مجلة المصور المصرية ، العدد  4234، بتاريخ 2/12/2005. كذلك انظر: خطة الإخوان "لفتح مصر" (الجزء الأول)، العدد1998  بتاريخ 20 ابريل 2010.
[14] للمزيد انظر: احمد القرني: النفوذ التركيفي الازمة الليبية التداعيات السياسية والأمنية، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، دراسة منشورة ، 6يناير 2021، متاحة على الرابط: https://rasanah-iiis.org/wp-. كذلك انظر: أهداف وحدود التدخل التركي في لبيبا، دارسة منشورة على موقع :كيوبوست، 9يناير  2020، متاحة على الرابط: https://www.qposts.com
[15]للمزيد أنظر: ربيع الاخوان "الاخوان المسلمين" بين المبادئ والمصالح، مجلة معلومات، مجلة شهرية تصدر عن المركز العربي للمعلومات، العدد100، آذار 2012، بيروت ، ص 17.كذلك ص72.
2024-04-07 12:23 AM775