الأعلانـــات
توظيف المؤسساتية في السياسة الاستثمارية: العراق أنموذجاً
توظيف المؤسساتية في السياسة الاستثمارية: العراق أنموذجاً

علي احميد عبيد
عضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية



المقدمة:
يعد توظيف المؤسساتية في السياسة الاستثمارية من الجوانب الحيوية في تعزيز التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي في أي دولة. يأخذ العراق مكانة استراتيجية كنموذج لدراسة هذا الموضوع، حيث تشهد البلاد تحديات وفرصاً متنوعة تتعلق بالسياسة الاستثمارية وتحسين بيئة الأعمال. تعد المؤسساتية في هذا السياق مفتاحاً لتعزيز الشفافية والمساءلة وتعزيز الثقة بين المستثمرين المحليين والدوليين. يهدف هذا المقال إلى استعراض دور المؤسساتية في تحسين السياسة الاستثمارية في العراق، حيث سنسلط الضوء على الجانب النظري مضافاً الى هذا الدور من الزاوية العملية من خلال ديوان الرقابة المالية ولجنة الاستثمار والتنمية النيابية والمؤسسات ذات العلاقة الا وهي امانة بغداد ودائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة وقيادة عمليات بغداد.
 أولاً: التعريف بالمفهوم:
     تُعرف المؤسساتية على انها: عملية الانتقال من اللا تنظيم واللا ترتيب الى التنظيم والترتيب والتنسيق من أجل استثمار الجهود في انجاز المطلوب. وتعرف السياسية الاستثمارية على انها: ما ترغب الحكومة في تنفيذه أو الامتناع عنه فيما يخص الاستثمار.
    ويمكن ان نقول ان المؤسساتية في سياق السياسة الاستثمارية تعني: هي عملية الانتقال من حالة عدم التنظيم في العمل الاستثمارية الى مرحلة تقنين وترتيب العملية الاستثمارية من خلال قانون الاستثمار رقم ١٣ لسنة ٢٠٠٦ المعدل والانظمة والتعليمات اللاحقة وكل ما من شأنه تهيئة البيئة الاستثمارية.
ثانياً: دور المؤسساتية في السياسة الاستثمارية
 1. الجانب النظري: الجانب النظري في الدراسات يلعب دوراً مهماً في توجيه البحث وفهم الظواهر المختلفة، حيث يوفر إطاراً نظرياً لتحليل البيانات وتفسيرها، كما يساعد في توجيه الاستنتاجات وصياغة الفرضيات، وبالتالي يسهم في بناء المعرفة وتقدم العلوم.
أ. دور المؤسسة التشريعية: دور المؤسسة التشريعية في السياسة العامة يتمثل في صياغة وإقرار القوانين والتشريعات التي تحكم المجتمع وتوجه سير الحياة العامة. وتشمل مهامها وظيفة النظر في المشاريع والمقترحات القانونية، ومناقشتها، وتعديلها، وإقرارها بشكل يعكس مصالح واحتياجات المواطنين. كما تتولى المؤسسة التشريعية مسؤولية الرقابة على السلطات التنفيذية والقضائية لضمان تطبيق القوانين بشكل سليم وعادل.
ب. دور المؤسسة التنفيذية: دور المؤسسة التنفيذية في السياسة العامة يتمثل في تنفيذ السياسات والبرامج التي تم تحديدها من قبل السلطات التشريعية، وذلك من خلال إدارة شؤون الحكومة وتنفيذ القوانين واتخاذ القرارات الإدارية. وتشمل مهامها تطبيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية، وإدارة الموارد الحكومية بكفاءة وشفافية، وتنفيذ البرامج الحكومية لتحقيق الأهداف الوطنية وتلبية احتياجات المجتمع. كما تقوم بتمثيل الدولة في العلاقات الخارجية والتفاوض على الاتفاقيات الدولية لتعزيز مصالح البلد.
ج. دور المؤسسة القضائية: دور المؤسسة القضائية في السياسة العامة يتمثل في تطبيق القانون وفقًا للدستور والقوانين المعتمدة، وضمان حماية حقوق المواطنين وتحقيق العدالة في المجتمع. وتشمل مهامها فصل النزاعات والنظر في القضايا المدنية والجنائية والإدارية، واتخاذ القرارات القانونية بشكل مستقل وعادل. كما تقوم المؤسسة القضائية بمراقبة دستورية القوانين والتأكد من توافقها مع المبادئ الأساسية للدستور. وبذلك، تسهم في تحقيق التوازن والتحقيق بين السلطات المختلفة وضمان سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
د. دور النخبة الأكاديمية والبحثية: يتمثل دور النخبة الأكاديمية والبحثية في السياسة العامة في تقديم الخبرات والتحليلات المستندة إلى الأبحاث والدراسات العلمية، والتي تسهم في صياغة السياسات واتخاذ القرارات العامة. وتقدم النخبة الأكاديمية الخبرات والمشورة الفنية للسياسيين والمسؤولين الحكوميين، وتعزز الحوار والتفاعل بين الأكاديميين وصانعي القرار لضمان اتخاذ القرارات الأكثر فاعلية وفعالية.
     بالإضافة إلى ذلك، تقوم النخبة البحثية بإجراء الدراسات والبحوث حول قضايا مختلفة تتعلق بالسياسة العامة، مما يساعد في فهم الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتوجيه السياسات نحو التحول نحو الأفضل وتحقيق التنمية المستدامة. وبذلك، تلعب النخبة الأكاديمية والبحثية دوراً هاماً في تعزيز الديمقراطية وتحسين جودة حياة المجتمع.
 2. الجانب العملي (الواقع العراقي): الجانب العملي في الدراسات يساهم في تطبيق النتائج والمفاهيم النظرية في الواقع، مما يسهم في حل المشكلات العملية وتحسين العمليات واتخاذ القرارات الأفضل. كما يساعد في توجيه السياسات والاستراتيجيات، وتعزيز التفاعل بين الباحثين والمجتمع، وبالتالي يعزز التطور والتنمية المستدامة. وهذا ما سنتعرف عليه في دراسة الجانب العملي في الواقع العراقي مدار المقال العلمي هذا وكما يلي:
أ. ديوان الرقابة المالية: يعد عمل ديوان الرقابة المالية الاتحادي شاملاً لكل الوزارات والهيئات غير المرتبطة بوزارة ومن ضمن عمله الرقابي هو الرقابة على السياسة الاستثمارية من خلال رقابته على المؤسسات المعنية بالسياسة الاستثمارية، وما يعنينا في هذا المطلب هو الرقابة على هيئة استثمار بغداد، حيث يمارس الديوان رقابته من خلال مقر الديوان بتشكيلاته المختلفة أو من خلال هيئة الرقابة المالية العاملة في المحافظة بغداد وهذه الرقابة هي دورية ومستمرة وليست كرقابة هيئة النزاهة الموضوعية والمؤقتة.
     وتنقسم رقابة الديوان على السياسة الاستثمارية الى قسمين: الأول: رقابة مالية فيما يخص المبالغ المرصودة والمصروفة والإجراءات المالية وهذا بعيد عن اختصاص البحث. الثاني: رقابة على النشاطات الخاصة بهيئة استثمار بغداد من خلال الاجازات الاستثمارية والمخاطبات وما يتبع ذلك من اجراءات ادارية. وهذا هو صميم البحث حيث تكشف لنا كيف مارس ديوان الرقابة المالية الاتحادي دوره الرقابي على السياسة الاستثمارية. كما تتم اجراءات الرقابة من خلال توجيه الديوان مجموعة من الاسئلة والاستفسارات ناتجة عن بحثها وتدقيقها الملفات والأضابير الخاصة بالمشاريع الاستثمارية وتقوم هيئة استثمار بغداد بدراسة الاسئلة وتوجيه كتاب رسمي للديوان بالإجابة عن التساؤلات.
ب. لجنة الاستثمار والتنمية النيابية: وهي من اللجان البرلمانية الدائمة في كل الدورات البرلمانية، حيث تعتبر من أعمدة اللجان كونها تقترح القوانين الخاصة بالجانب الاقتصادي والاستثماري في عموم البلاد مضافاً إلى مراقبتها للجانب الاقتصادي بشكل عام والاستثماري على وجه الخصوص سواء الرقابة على السياسة الاستثمارية أو الجهات المسؤولة عن الاستثمار سياسةً وتنفيذاً (الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات الاستثمار في المحافظات). كما كان دور اللجنة قبل تشريع قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدل وصولاً إلى تشريعه نشره في الجريدة الرسمية ثم متابعة حيثيات تشكيل هيئات الاستثمار من الوطنية الى المحلية والمراقبة المستمرة على عملهم، وليس هذا فحسب بل مفاتحة المؤسسات ذات العلاقة بالعمل الاستثماري من أجل تسهيل إنفاذ قانون الاستثمار.
     وكان دور لجنة الاستثمار والتنمية النيابية عامة على عمل الاستثمار في جميع أنحاء العراق ولم يقتصر على محافظة دون أخرى، وإلى ذلك استضافت اللجنة رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار من أجل الوقوف على الخطط الموضوعة من قبل الهيئة للنهوض بالواقع الاستثماري وكيفية زيادة النشاطات الاستثمارية في القطاعات الاستثمارية المختلفة وآلية استقطاب المستثمرين.
ج. المؤسسات ذات العلاقة: سنتحدث في هذا الجانب عن جزء من المؤسسات ذات العلاقة ونقصرها على ثلاثة الا وهي امانة بغداد ودائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة وقيادة عمليات بغداد ولان الحديث عن كل الجهات ذات العلاقة يطول بنا البحث فيه:
اولا.  أمانة بغداد: هي الجهة المسؤولة عن التصميم الأساسي لمحافظة بغداد دون الأطراف، ويكون ارتباطها بالعملية الاستثمارية من زاويتين: الأولى إذا كانت مالكة للأرض المراد استثمارها وهي بذلك ستصبح جهة غير قطاعية وإنما جهة مالكة للأرض، والثانية هي باعتبارها جهة قطاعية مسؤولة عن التصميم الأساسي لمحافظة بغداد بحدودها الإدارية دون الأطراف لأن الأطراف مسؤولية محافظة بغداد وليست أمانة بغداد. وعمل أمانة بغداد مع الاستثمار فيما إذا كانت جهة قطاعية يكون على شقين:
ثانيا . قسم التصاميم: وهو القسم المسؤول عن مناقشة وتحليل المخططات الأولية المقدمة من قبل المستثمر للأرض المقترحة للاستثمار والنظر فيها من قبل لجنة فنية مختصة تنظر في مدى مطابقة المخططات المقترحة مع التصميم الأساسي للعاصمة ومدى مطابقة الفعاليات الاستثمارية المقترحة على وفق المخططات مع التصميم الأساسي لمحافظة بغداد فإن لم يكن هنالك اختلاف تصدر الموافقة على التصاميم وإن كانت لديها ملحوظات فتكون الشركة المستثمرة ملزمة بالتعديلات وفي بعض الأحيان تُرفض التصاميم لعدم موافقتها للشروط المعمول بها.
ثالثا. قسم الاستثمار: هو حلقة الوصل ما بين هيئة استثمار بغداد والمؤسسات ذات العلاقة بالجوانب التخطيطية والقطاعية للبنى التحتية والتصميمية، تأسس القسم في عام 2015 ويرتبط بأمين بغداد مباشرةً. الجدير بالذكر أنه في بعض الأحيان تًرد طلبات المصادقة على التصاميم للمشاريع الاستثمارية من قبل قسم التصاميم فيتم احالتها الى اللجنة العليا للتصميم الأساسي وهو يقرر استثناء هذا المشروع من الضوابط أو لا حسب معطيات الحالة. ومن ثم تصدر إجازة بناء كموافقة تخطيطية وتتم المصادقة على المخططات الأولية.
 ج. وزارة التجارة/ دائرة تسجيل الشركات: قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدل يتعامل مع المستثمر العراقي بنوعيه الطبيعي أو المعنوي والأخير يدخل ضمن مهام دائرة تسجيل الشركات أما المستثمر الأجنبي فلا يتعامل معه قانون الاستثمار إلا بصفته المعنوية عن طريق الشركة الام أو فرع له في العراق وبالتالي يدخل ضمن مهام دائرة تسجيل الشركات.
وعليه فتدخل دائرة تسجيل الشركات كجهة ذات العلاقة من خلال تأسيس الشركات الوطنية، فتح فروع للشركات الأجنبية في العراق، تزويد دوائر الدولة بالمعلومات عن الشركات.
كذلك تتواصل دائرة تسجيل الشركات مع العملية الاستثمارية من خلال:
  د. قيادة عمليات بغداد: ارتباط قيادة عمليات بغداد بعدّها جهة ذات علاقة بالعملية الاستثمارية يختلف عن القطاعات الأخرى كونه يتدخل من جهة واحدة وهي إزالة التجاوزات على المشاريع الاستثمارية بالتنسيق مع القوات الماسكة للأرض وبعد صدور أمر الإزالة من أمانة بغداد، أو تسهيله للمهام الأخرى المتعلقة بعمله بالتنسيق مع الجهة ذات العلاقة كتسهيل دخول العجلات والمواد للمشاريع الاستثمارية خلال أوقات الأزمات.
ثالثاً: الدعم الحكومي
جاء في النقطة (خامس عشر) من محاور المنهاج الوزاري لحكومة السيد محمد شياع السوداني تحت عنوان (الاستثمار) حيث تهدف الحكومة في هذا المحور الى تحسين بيئة الاستثمار وتوسيع آفاقه من خلال:
أ. اصلاح وتبسيط الإجراءات المعمول بها في دوائر الاستثمار ودعم المستثمرين الجادين لغرض تطوير جميع القطاعات المشمولة بقانون الاستثمار لخلق فرص العمل للأيدي العاملة العراقية.
ب.  إطلاق خطة لتحديد الأراضي الاستثمارية واستعمالاتها (قطاعيا) ووضعها تحت تصرف هيئات الاستثمار.
ج.   حسم ملف المدن الصناعية الاستثمارية وتيسير إجراءات إنشائها وتطويرها.
كذلك تطرق المنهاج الوزاري الى تنشيط الاستثمار من خلال اعادة هيكلة ومكننة المصارف الحكومية وتحفيز المصارف الخاصة وتمكينها لتكون قادرة على دعم الاستثمار والتنمية بشكل حقيقي كما جاء في النقطة (7) من النقطة (ثاني عشر) القطاع المالي والمصرفي من محاور المنهاج الوزاري.
     ومن خلال النقاط أعلاه وغيرها الواردة في المنهاج الوزاري نجد أن أهمية (مكننة المصارف) وجعل التعامل إلكتروني مما من شأنه تسهيل التعاملات النقدية للمشاريع الاستثمارية كذلك العمل على انشاء مناطق سكنية استثمارية كبيرة (كمدينة الجواهري ومدينة علي الوردي) من شأنه المساهمة في حل أزمة السكن، مضافاً الى الدعوات المتكررة الى المستثمرين المحليين والأجانب الى القدوم الى العراق من أجل الاستثمار فيه مع التعهد بتبسيط الاجراءات من قبل الحكومة وبالفعل تم استحداث لجنة عليا لتبسيط الاجراءات الحكومية برئاسة مستشار رئيس الوزراء الدكتور عقيل محمود الخزعلي وتشكيل لجان فرعية في كل المؤسسات الحكومية حيث تعمل هذه اللجنة على تبسيط الاجراءات وخلق بيئة ايجابية وبالتالي سنعكس ذلك ايجاباً على الاستثمار.
الخاتمة:
    من خلال دراسة دور المؤسساتية في السياسة الاستثمارية في العراق، ندرك أن الجانب النظري لهذا الدور يسلط الضوء على أهمية بناء بيئة استثمارية مواتية من خلال تعزيز الشفافية وتعزيز الثقة بين المستثمرين. ومع ذلك، يظهر الجانب العملي من خلال دور مؤسسات مثل ديوان الرقابة المالية، ولجنة الاستثمار والتنمية النيابية، وأمانة بغداد، ودائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة، وقيادة عمليات بغداد، كيفية تطبيق هذه المبادئ في الواقع. يبرز هذا الدور العملي أهمية تكامل الجهود بين مختلف الجهات الحكومية والمؤسسات ذات الصلة لتعزيز بيئة الأعمال وتحسين السياسة الاستثمارية في العراق. من خلال التعاون والتنسيق المستمر، يمكن تحقيق نتائج إيجابية تسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار في البلاد.
2024-04-05 11:07 PM1189